التسامح أهميته و فوائده

معنى كلمة التسامح

التسامح قيمة إنساية وأخلاقية عالية تقوم على العفو واللين والحلم والتجاوزوالتساهل. وهو تعبير عن قوة نفسية لأنه يعني عدم الإنتقام عند المقدرة وعدم رد الإساءة بالإساءة، وهو أسلوب راقي في التعامل مع الصراعات والمشاعر السلبية للآخرين.
وعموم التسامح يجسد أيضا الرحمة والود والمحبة والتعاطف ، هذه المشاعر الخيرة التي بها نحنو ونحتوي الآخر ونمنحه فرصة أخرى ليرقي بدوره ولو أخطأ في حقنا بأي شكل من الأشكال. إنه مخرج آخر لفض النزاعات ولحل الخلافات و لترميم العلاقات الإجتماعية.
ديننا الإسلامي السمح يدعو إلى التحلي بالخلق الجميل والمعاملة الطيبة من أجل بناء مجتمع متماسك يسوده الإحترام والوئام والإحسان.
التسامح في اللغة أصله: سَمَحَ أي لان وسهل وكلمة تسامح في اللّغة مأخوذة من (تفاعل)، أي أنّها حركة باتِّجاهين: مسامحتك للآخر، و اصطلاحا هو اليسر في المعاملة النابع من الجود و الكرم. هو العفو عند المقدرة، وعدم رد الإساءة بالإساءة، والترفع عن الصغائر و هو خلق يشمل المعاملات المالية و العلاقات الإجتماعية. و من مقتضيات التسامح، الإعتراف بحق الآخر في اتخاذ رأي مخالف و التعبير عنه بحرية..
في هذا المقال سنتطرق إلى النقط التالية ماهي مبادئ التسامح ؟ وكيف يتحقق التسامح ؟ وماهي فوائد التسامح ؟

التسامح في القرآن الكريم

قال الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.[  109 ]سورة البقرة

قال الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.[3] قال الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي سورة آل عمران

قال الله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.[5]سورة المائدة

قال الله تعالى: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.[6] سورة يوسف:
قال الله تعالى: {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.[7] سورة يوسف:

: قال الله تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}.[8]سورة الحجر
: قال الله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.[9] سورة النور

: قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}.[10] سورة الشورى

قال الله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.[11] سورة الشورى

قال الله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.[12] سورة الزخرف

: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.[13]سورة التغابن

التسامح في الأحاديث النبوية

عن أبي هريرة قال : قال صلى الله عليه و سلم : (( لا تحاسَدوا ، ولا تَناجَشوا ، ولا تباغَضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبِعْ بعضُكُم علَى بيعِ بعضٍ ، وَكونوا عبادَ اللَّهِ إخوانًا المسلمُ أخو المسلمِ ، لا يظلِمُهُ ولا يخذلُهُ ، ولا يحقِرُهُ التَّقوَى ههُنا ويشيرُ إلى صدرِهِ ثلاثَ مرَّاتٍ بحسبِ امرئٍ منَ الشَّرِّ أن يحقِرَ أخاهُ المُسلمَ ، كلُّ المسلمِ علَى المسلمِ حرامٌ ، دمُهُ ، ومالُهُ ، وَعِرْضُهُ)).أخرجه مسلم

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( إيَّاكُم والظَّنَّ ، فإنَّ الظَّنَّ أَكذبُ الحديثِ ، ولا تحسَّسوا ، ولا تجسَّسوا ، ولا تحاسَدوا ولا تدابَروا ، ولا تباغَضوا ، وَكونوا عبادَ اللَّهِ إخوانًا)).أخرجه البخاري

عن النعمان بن بشير قال: قال صلى الله عليه و سلم : (( مَثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم ، مَثلُ الجسدِ . إذا اشتكَى منه عضوٌ ، تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى)).
أخرجه البخاري و مسلم .

عن ابن عباس قال: قال صلى الله عليه و سلم : (( اسْمَحْ يُسْمَحْ لكَ)). أخرجه الإمام أحمد

عن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ أيُّ الناسِ أفضلُ قال: (( كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ)) قالوا صدوقُ اللسانِ نعرفُه فما مخمومُ القلبِ قال: (( هو التقيُّ النقيُّ لا إثمَ فيه ولا بغيَ ولا غِلَّ ولا حسدَ)).خرجه : ابن ماجه و ابن عساكر

عن الزبير قال:قال صلى الله عليه و سلم : (( دبَّ إليْكم داءُ الأممِ قبلَكم الحسدُ والبغضاءُ هيَ الحالقةُ لا أقولُ تحلقُ الشَّعرَ ولَكن تحلِقُ الدِّينَ والَّذي نفسي بيدِهِ لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا أفلا أنبِّئُكم بما يثبِّتُ ذلِكَ لَكم أفشوا السَّلامَ بينَكم)).أخرجه: الإمام أحمد و الترمذي و الضياء.

أنَّ رجلًا جاء إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال يا رسولَ اللهِ : أيُّ الناسِ أحبُّ إلى اللهِ ؟ وأيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللهِ ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :: ((أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ، و أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً ، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ تَطْرُدُ عنهُ جُوعًا ، و لأنْ أَمْشِي مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ اعْتَكِفَ في هذا المسجدِ ، يعني مسجدَ المدينةِ شهرًا ، و مَنْ كَفَّ غضبَهُ سترَ اللهُ عَوْرَتَهُ ، و مَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ ، و لَوْ شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قلبَهُ رَجَاءً يومَ القيامةِ ، و مَنْ مَشَى مع أَخِيهِ في حاجَةٍ حتى تتَهَيَّأَ لهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يومَ تَزُولُ الأَقْدَامِ ، [ و إِنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفْسِدُ العَمَلَ ، كما يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ])).أخرجه: الطبراني و ابن عساكر.

عن أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : (( ثلاثٌ أُقسِمُ عليهِنَّ ، وأُحدثُّكمْ حديثًا فاحفَظوه ، قال : ما نقصَ مالُ عبدٍ من صدقةٍ ، ولا ظُلمَ عبدٌ مظلِمةً صَبر علَيها ؛ إلَّا زادَه اللهُ عزًّا ، ولا فتحَ عبدٌ بابَ مسألةٍ ؛ إلَّا فتح اللهُ عليهِ بابَ فقرٍ أو كلِمةٍ نحوَها . ..))أخرجه: الإمام أحمد و الترمذي.

عن أنس بن مالك قال: ما رأيتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ رُفِعَ إليهِ شيءٌ فيهِ قصاصٌ إلَّا أمرَ فيهِ بالعفوِ.أَخرجه: أبو داود.

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم النموذج الأسمى والأسوة الطيبة والقدوة الحسنة في التسامح والعفو والصفح، وحسبه عليه الصلاة والسلام أنه عندما عاد إلى مكة فاتحاً، جمع قبائل قريش من المشركين وهم الذين آذوه وحاربوه وأخرجوه من مكة مهاجراً، فقال لهم: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم. قال: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء، وعفا عنهم برغم ما كان منهم معه.
بل إنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسمى هبار بن الأسود يضع على وجهه لثاماً وينطلق مسرعاً خارج مكة، حينما علم أن الرسول دخلها، وكان هبار قد آثار ناقة السيدة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مهاجرة، حتى أسقطتها، وكانت يومها حاملاً، فنزفت نزفاً شديداً، وظلت هكذا حتى فارقت الحياة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما علم أن هذا الرجل هو هبار، ناداه، وقال له: عد يا هبار، فقد عفوت عنك، فأسلم الرجل يومها.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ، فهمَّ به أصحابه فقال صلى الله عليه وسلم: (دعوه فإن لصاحب الحق مقالا) ثم قال: (أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّه) قالوا: يا رسول الله! إلا أمثل من سنه (أكبر منها وأغلى في الثمن)، فقال: (أعطوه، فإن من خياركم أحسنكم قضاء) رواه البخاري. قال المناوي: ” قوله: (دعوه) يعني اتركوا يا أصحابنا من طلب منا دَيْنه فأغلظ، فلا تبطشوا به، (فإن لصاحب الحق مقالاً) أي: صولة الطلب وقوة الحجة، فلا يلام إذا تكرر طلبه لحقه، لكن مع رعاية الأدب، وهذا من حسن خلق المصطفى صلى الله عليه وسلم وكرمه وقوة صبره على الجفاة مع القدرة على الانتقام”.

عبارات عن التسامح

إن الذات السلبية في الإنسان هي التي تغضب وتأخذ بالثأر وتعاقب بينما الطبيعة الحقيقية للإنسان هي النقاء وسماحة النفس والصفاء والتسامح مع الآخرين
إبراهيم الفقي

أعقل الناس أعذرهم للناس
علي بن أبي طالب

إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه.
علي بن أبي طالب

الشجعان لا يخشون التسامح من أجل السلام.
نيلسون مانديلا

أفضل نتيجة من التربية هو التسامح.
هيلين كيلر

التسامح جزء من العدالة
جوزف جوبير

لأن أندم على العفو خير من أن أندم على العقوبة
جعفر الصادق

الإحترام المتبادل هو الذى يؤكد أن الأخطاء قابلة للتسامح مهما كانت .. بدون الاحترام لا يمكن التسامح
أحمد الصباغ

النفوس الكبيرة وحدها تعرف كيف تسامح
جواهر لال نهرو

مسؤولية التسامح تقع على من لديهم أفق أوسع
جورج إليوت

القلوب التي تسامح كثيراً وتصبر طويلاً وتتنازل دوماً ، هي القلوب التي إن قررت الرحيل فلن تعود يوماً.
جورج برنارد شو

التسامح هو أن تمنح الكراهية بداخلك غرفة صغيرة جداً في قلبك.
تشول سو

التسامح أرقى أنواع النسيان.
كروستوفر شولز

التسامح هو أكبر مراتب القوة ، وحب الانتقام هو أول مظاهر الضعف.
نجيب محفوظ

الضعيف لا يمكن ان يسامح ،فالتسامح من صفات الاقوياء
المهاتما غاندي

كن شديد التسامح مع من خالفك الرأي، فإن لم يكن رأيه كل الصواب فلا تكن أنت كل الخطأ بتشبثك برأيك ..
فولتير

من لا يستطيع التسامح يهدم الجسر الذي يجب أن يعبره هو نفسه.
جورج هربرت

أعظم هدية يمكن ان تقدمها لنفسك أن تسامح .. أن تسامح الجميع.
مايا أنجيلو

التسامح مع النفس

التسامح من أنبل القيم الإنسانية التي توطد العلاقات بين الناس وتشملها بالتعاطف وبالرحمة . والتسامح يصبح أكثر تأثيرا إن حققناه مع أنفسنا أولا . المسامحة رحلة طويلة ، وتكون قوية و قيمة إن انطلقت من ذواتنا. فالتسامح مع النفس بداية للتسامح مع الآخرين ،إذن فمن البديهي إن لم نتسامح مع أنفسنا لن نتسامح مع الآخرين. ” ففاقد الشيء لا يعطيه ” كما يقولون .
التسامح مع النفس حالة نفسية تترجم الرضا عن النفس ونضجها ووعيها. وهي انعكاس للشخصية السوية القوية التي ورغم شعورها بالألم، لاترد الإساءة بالإساءة وإن توفرت لها كل الظروف لفعل ذلك . فهي استطاعت نبذ المشاعر والأفكار والسلوكيات السلبية تجاه من أساؤوا إليها، واستبدالها بمشاعر وأفكار وسلوكيات مفعمة بالمحبة والإيجابية والسلام.
فالتسامح مع النفس أمر ضروري ومطلوب لتجاوز المشاعر الذاتية السلبية ولمجاهدة هوى النفس ولإنهاء الصراعات الداخلية من أجل السيطرة على الغضب والتغلب على الرغبة في الإنتقام
.فالتسامح مع النفس يغذيها بالثقة وبالإعتزاز، يحررها من الشعور بالذنب الذي قد ينتج عن الفشل أوالعجز في تحقيق بعض الأهداف والغايات والمشاريع. ويخلصها من الإحساس بالنقص لسعيها المحموم خلف تحقيق المثالية مع أن الكمال غير موجود في الواقع .
فينبغي أن نعي أن محاسبة النفس باستمرار وبقسوة قد يؤدي إلى القلق أوالإكتئاب أوغيرهما من الإضطرات النفسية. وبالتالي فليس من المنطقي أن نحشر أنفسنا في الزاوية ثم نفرض عليها أمورا تجعلنا في تحدي متجدد يفقدنا سلامنا الداخلي. لن نكون أبدا في هدوء وطمأنينة ونحن نكن لأنفسنا العداء. جلد الذات لن يدفعنا إلى الأمام بالعكس فتقريع الذات سيحد من إنتاجنا وبذلنا وتفاعلنا الإيجابي مع الواقع ويعيق إنطلاقنا نحو الأفضل..
التسامح رسالة إيجابية تحمل معاني جميلة وعميقة تهدف إلى إرساء مبادئ الإحسان والعفو والخير بين أفراد المجتمع. ولن يتحقق هذا المغزى إن لم نتسامح مع أنفسنا يعني أن نتقبلها بجانبيها المشرق والأقل إشراقا. أن نحيطها بالحب والعطف والرفق. وأن نمنحها مساحات واسعة من الصبر والرقة واللطف، فالتعامل بشطط أو مبالغة أوحساسية زائدة تجاه أي خطأ نقوم به أو خيبة أمل نصادفها يراكم داخلنا مشاعر سلبية قد تزداد مع مرور الوقت تعقيدا. وفي النهاية نصبح غير متصالحين مع أنفسنا.
فأكيد خلال مسارنا سنتعرض للضغوط وللصعاب وللمواقف المريرة ، فالحياة ليست كلها سلسلة متواصلة من المسرات والأفراح والنتائج المثالية. لهذا فنحن في أمس الحاجة لكل من طاقتنا الإيجابية ومعنوياتنا المرتفعة من أجل مواجهة كل العوائق والتحديات. فالتسامح يساعدنا على المضي قدما وعلى مواصلة العمل رغم ما نشعر به من جروح وأذى . فهو يعيننا على تحمل مسؤولية ما نشعر به. فلانتوقف على العطاء والكفاح.
يتعين هنا أن نأخذ بعين الإعتبار أن الإحساس بالتفهم والإحتواء لأنفسنا ينعكس إيجابيا في تعاملنا مع الآخرين، ومسامحة أنفسنا تدفع إلى مسائلة قيمنا ونظرتنا لمعاييرنا والعفو عن زلاتنا مما يسهل الطريق لمسامحة الآخرين.

ويبقى السؤال المطروح هو: كيف أكون أو أصبح شخصا متسامحا مع نفسه؟
التسامح مهارة من المهارات التي يمكن تعلمها واكتسابها وذلك باتباع عدة خطوات منها:
الوعي بأهمية التسامح في حياته وايضا حياة الآخرين. وإدراك مدى انعكاس ثمار وفوائد التسامح على نفسيته . لأن هذا الفهم الهدف منه خلق الرغبة القوية بذاخله ليكون متسامحا.
إمتلاك الشجاعة بقبول التجارب الفاشلة
تفادي التعلق بالكمال
عدم التشبت والعيش في الماضي واسترجاع الذكريات المريرة.

فوائد التسامح

للتسامح فوائد عديدة وثمار كثيرة على الفرد والمجتمع. بحيث تشمل إنعكاساته الإيجابية الصحة الجسدية والنفسية للشخص المتسامح، وكذلك علاقته مع ذاته وعلاقته مع الغير. وبذلك تسع فضائله المجتمع كله. وهنا سنتطرق إلى بعض فوائده ومنها:

نيل الأجر في الدنيا والآخرة

التسامح فضيلة من الفضائل العظيمة التي حث عليها ديننا الإسلامي السمح . فالآيات القرآنية الكريمة حافلة بالنصوص التي تتحدث عن التسامح . كما نصت أيضا الآحاديث النبوية على نبل هذه المكرمة.
عن عُقبةَ بنِ عامرٍ -رضي اللهُ عنه- قال: لقيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لي: “يا عُقبةُ! صِلْ مَن قطعَك، وأعطِ مَن حرمَك، واعفُ عمَّنْ ظلمَكَ”. رواه أحمد وصححه الألباني.
فالمتسامح له منزلة كبيرة عند الله تعالى بحث يحضى بمحبة الله تعالى. قال الله تعالى : {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}(المائدة:13) كما أنه يزيده رفعة و عزا، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) رواه مسلم.
قد عظم الله تعالى أجرالتسامح وثوابه لثماره وفوائده الكثيرة على الفرد والمجثمع لأن بفضله يعم الصفح والإحسان والمغفرة و المحبة والرحمة . ويجنبهم الصراعات والمآسي والقسوة والإنتقام والحروب كما حدث في الثاريخ قديما.

السيطرة على مشاعر الغضب
حين تكون متسامحا تستطيع التخلص من الأعراض الجسدية كارتفاع معدل ضربات القلب ، ارتفاع ضغط الدم ، الإرتعاش، تشنج العضلات وغيرها التي تسببها الإنفعالات المزعجة والمؤلمة كالغضب. هذا الشعورالقوي الذي قد يسيطر على الإنسان ويعرضه للضغوط ويفقده السكينة والهدوء.
التسامح يجعل مواقف الغضب تمر كغيرها من المواقف من دون هيجان أوعدوان . مع أن هذا الأمر صعب و يحتاج إلى مجهود داخلي كبير من ضبط النفس والأناة والحلم.
التسامح يهدئ وبات من الغضب والغيظ و بالتالي يحافظ على الصحة بشكل عام ويعزز العلاقات الإنسانية .
كما يقال : “التسامح اقتصاد القلب، التسامح يوفر نفقات الغضب وتكاليف الكراهية وإزهاق الأرواح”.

السلام الداخلي
التسامح هو القدرة على تفادي التصادم مع الآخرين وتقبلهم رغم إسائتهم وتقصيرهم في حقنا. فالتحلي بالصفح والعفو يسهل إيجاد الحلول للمشكلات وللمصاعب وللمواقف المؤلمة. المتسامح يكون متقبلا لأخطاء الآخرين ولنواقصهم ولآعذارهم ، يتعامل بصبر وبمحبة وسعة صدر و رفق وإن ارتكب في حقه أي سلوك جائر أو سلبي .لايبحث عن الإنتقام وبذك لايهدر طاقته ووقته في كيفية الرد على الإساءة. ولايحمل الضغائن في داخله. يعطي للغير فرصا أخرى. لايسمح للتوثر والقلق أن يأخدا مساحات من نفسيته. وبذلك يتحقق له الطمأنينة و راحة البال ، حقيقة التسامح يجنب نفسه مشاكل ويعزز النظرة الإيجابية للأشخاص وللحياة ويجعل المتسامح
مرتاحا نفسيا و يجلب له السعادة والسلام الداخلي وبالطبع بتفادي الأمراض والمعاناة النفسية كالإجهاد والقلق يحافظ على جودة الحياة التي يعيشها. ويبقى في صحة جيدة. بل أكثر من ذلك حيث أكدت دراسة ظهرت في مجلة “الطب السلوكي” الأمريكية ، أن الأشخاص الأكثر تسامحا مع الآخرين يعيشون حياة أطول.

الوقاية من التوتر والإجهاد
التسامح له فائدة كبيرة على الحالة النفسية للشخص المتسامح . فلا يخفى على أحد أن المشاعر الصعبة والمؤلمة تؤثر بشكل سلبي على حاملها سواءا على المستوى النفسي والعقلي. يعرض الشخص الغير المتسامح صحته للضغوط حين تتمكن الرغبة في البطش والإنتقام ونيران الغضب والحنق منه ويسعى لأخد ثأره من من أساء إليه. في حين يحتمي المتسامح من الإضطرات النفسية الوخيمة كالتوتر والقلق.والإكتآب والحزن ، بتطهير نفسه من كل ما يشوبها تجاه شخص الذي أذاه لأنه يؤمن أن العفو و تجاوز الأذى سيكونان في مصلحته الشخصية أيضا وهذا الأمر يعتبر عاملا أساسيا لتمكنه من قلب الصفحة و نثر بذور المسامحة والمضي قدما في حياته بدون مرارة وحسرة.
ودون تضييع الوقت في البحث عن سبل الإنتقام تطبيقا للمثل الذي يقول : “إذا ما أظلّ رأسك همُّ، فقصِّر البحث فيه لكي لا يطول”!

انتشار المحبة في المجتمع
المتسامح بصفحه وعفوه وتجاوزه عن كل من ظلمه أو أخطأ في حقه هو في الحقيقة يبعث رسائل عميقة إلى المجتمع كله. فهو يعطي فرصة للمسيء لكي يغير من نفسه كما أنه يعطيه مثالا عمليا في ضبط النفس والرحمة والإنسانية و هو إجراء فعلي لوقف سلسلة الإنتقام والحد من انتشار العنف بين أفراد المجتمع.
فالمتسامح بتسامحه وإحسانه يغلب الجانب الخير في العلاقات الإنسانية وينشر المحبة والألفة وكما يقال: ” أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم، فطالما استعبد الإنسان إحسان”، وبذلك يساهم بشكل كبير في إشاعة الإيجابية والتفاؤل والتكافل بين الناس والتغاضي. و يعزز استمرار العلاقات الطيبة والمشاعر النبيلة في المجتمع . المتسامح بالالتفات إلى المصلحة العامة بدلًا من المصلحة الشخصية، يبني جسور الحب والسعادة والوئام في محيطه ويجنبه الدمار والإكتئاب والإحباط. كما قال الله تعالى: “وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ” [فصلت:34]،
وفي الواقع، التسامح تعبير عن الحب ودعوة إليه ولهذا يقال : ” لن تَستطيع أن تُعطي بدون الحُب، ولن تستطيع أن تحِب بدون التسامح “.

القضاء على المشاكل
التسامح يجنب تفاقم المشاكل بين الناس لأن المتسامح لا يدخل في دوامة الشحناء والكره والإنتقام. بل يختار طريق المحبة والعفو والإحسان وبذلك يضع حدا لتردي العلاقات بين الأفراد. عموما يواجه المتسامح العداوات والخلافات والتناقضات بعقلانية وإنسانية فيلتمس الأعذار للمسيئ فمنهجه في ذلك هو كالتالي : ” إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه، فالتمس له العذر، فإنّ لم تجد له عذراً، فقل: لعل له عذر لا أعلمه “.
للتسامح تأثير قوي في الحفاظ على سلامة المجتمع باعتباره ألية وقائية تمنع تفشي العداوة والخصام والكراهية . ذات يوم سُرِق الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود حين كان في السوق.. فقال له من كان معه: “تعالوا لندعوا على السارق”، فقال عبد الله: أنا صاحب المال، أنا أدعو وأنتم آمِّنوا! وبدأ بالدعاء قائلًا: ” اللهم إن كنت تعلم أنّ الذي سَـرق نقودي محتاجًا إليها فـبارك لـه فيها وإن كان غير محتاج إليها فاجعله آخـر ذنب يذنبه”. و المتسامح إنسان ذو رحابة الصدر وعقلية متفتحة ومنفتحة تجاه الغير ويركز على ماهو جميل وإيجابي عند الغير و يرسم البشاشة على وجوه الآخرين.. كما يدعم التآلف والتعاطف و التماسك والتعاضد بالتالي النهوض بالمجتمع قاطبة.

زيادة الثقة بالنّفس
المتسامح له المقدرة على التجاوز والعفو والترفع عن معاقبة من يستحق العقاب ونشر المحبة والوئام في الحياة الإجتماعية و ذلك لما يتمتع به من ثقة بالنفس . وهذا الشعور يزيده الثقة بالنفس أيضا . فهو يعزز تقديره لذاته ولقدراته .
التسامح له دور كبير في تقوية الإعتزاز والثقة بالنفس بحيث أن المتسامح يدرك مدى تأثيره الإيجابي في الآخرين من خلال تعايشه معهم بكل لطف وإخاء وأيضا لتغاضيه وخلقه الأعذار لهم. ورد فعله النبيل والسامي اتجاه أخطائهم وإسائتهم يكسبه حبهم وتقديرهم.
إن نجاح علاقات المتسامح مع الآخرين تولد احترام الذات والثقة بالنفس.

التسامح يدعم قيم المحبة والإيجابية والعفو، والتسامح يكون في القول والفعل والتفكير. وتتعدد أنواع وأشكال التسامح لتشمل مجالات مختلفة في الحياة.
التسامح ليس دليل ضعف لأن الشخص الضعيف يلجأ إلى الكره والحقد والغل ويستغل الفرصة للإنتقام للتغطية على إحساسه بالعجز وعلى اهتزاز ثقته بنفسه ، فهو لايسامح بسهولة. التسامح تعبير عن سلامة القلب والثقة بالنفس وحب الخير الموجه للغيروالجميل في الأمر أنه يعود أولا على المتسامح نفسه بحب الله تعالى له ورضاه عليه ، وراحة باله، وسلامة صدره، وتقدير الناس له . حقيقة التسامح سبيل للسعادة والراحة النفسية.

ويبقى التسامح فضيلة قيمة جدا ما أحوجنا إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

CLOSE
CLOSE
Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial